السيد محمد تقي المدرسي

32

من هدى القرآن

وتنضم إلى هذه اللذات أعظم نعمة يشعر بها المؤمنون المخلصون ، وهي الكرامة من عند الله ، فهم يأكلون الفواكه وشعورهم عميق برضى الله عنهم . وَهُمْ مُكْرَمُونَ ولعلنا نستوحي من كلمة مُكْرَمُونَ أن المخلصين يفدون إلى الجنة على رزق معلوم ومحدد ، لكن الله يكرمهم كل حين ليزدادوا فضلا من عنده . وفي الحديث : ( فَإِنَّهُمْ لَا يَشْتَهُونَ شَيْئاً فِي الجَنَّةِ إِلَّا أُكْرِمُوا بِهِ ) « 1 » . [ 43 ] فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ والجنة هي البساتين الكثيرة الزرع والشجر ، بحيث تلتقي فيها الأغصان والأوراق فتختفي أرضها ، تحت ظلال الأوراق والكلمة تفيد التنوع ، لأن الجنة لا تطلق على النوع الواحد من الزرع ، أما كلمة النعيم فهي مبالغة في النعمة للكثرة والجودة . [ 44 ] ولأن المؤنس من الحاجات النفسية للبشر ، فقد جعل الله المؤمنين يأنسون ببعضهم في الجنة فإذا بهم كما يصفهم القرآن : عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ . [ 45 ] وفي الأثناء ، حيث يدور الكلام بين عباد الله يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ وهو ألذ الشراب ، خمرا كان أو ماء أو غيرهما ، كما إنه المعين الذي لا ينضب ، فتارة يكون الشيء لذيذا لكنه ينتهي بسرعة ، وتارة يكون لذيذا ولا ينتهي . [ 46 ] ويجتمع إلى لذة الشراب جماله وجمال كأسه تأكيدا لها ، فالكأس من الفضة اللامعة . بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وقد يكون البياض وصفا للمعين ، قال الحسن البصري : ( خَمْرُ الْجَنْةُ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ ) « 2 » . [ 47 ] وهذا الشراب خال من العيوب فلا يمله المؤمنون أو يرفضونه . لا فِيهَا غَوْلٌ وهو السكر أو الإرهاق الذي يلحق بالشارب فيغتال عقله وقواه ، أو المرض الذي ينتهي به إلى الموت ، ومنه الاغتيال وهو القتل سرا ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر لا يبعد المؤمنون عن شراب الجنة بنضوبه ، أو بإرادة أخرى تفرض عليهم . وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ويقال نزف الماء إذا أبعد وأزيح عن العين . [ 48 ] ومن نعيم المخلصين ، الأزواج المطهرة في القصور . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ وللقصر ثلاثة تفاسير : الأول : أن القاصرات هن النساء اللاتي ينحصر نظرهن إلى أزواجهن ، وبالتالي تحد

--> ( 1 ) الكافي : ج 8 ص 99 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 8 ، ص 692 .